اتجهت العديد من الشركات والمؤسسات في الإمارات العربية المُتحدة من مُعدل إنفاقها على تقنيات الأمن الرقمي وبرامج تدريب الكوادر البشرية، في خطوة تستهدف التصدي للهجمات السيبرانية المُتزايدة، مع التركيز بشكل خاص على الأنظمة المُعتمدة على الذكاء الاصطناعي للكشف المُبكر عن التهديدات الإلكترونية والتعامل معها منذ مراحلها الأولى.
صرح مُتخصصي ومسؤولي الشركات في تصريحات لـ «الخليج»، خلال مشاركتهم في النسخة الثالثة عشرة من مؤتمر ومعرض الخليج (جيسيك) لأمن المعلومات، الذي اختتم فعالياته مؤخرًا بدبي، أن الاتجاه لتطوير الكفاءات البشرية وتوسيع نطاق استخدام التكنولوجيا المُتقدمة يُشكلان ركيزتين أساسيتين للتصدي لطرائق وأساليب المُخترقين في التسلل للأنظمة والشبكات وسرقة المعلومات.
ولفت الخبراء إلى أن وتيرة التحوُّل الرقمي المُتلاحقة في الإمارات تتطلب جاهزية عالية وإجراءات أمنية فعالة لحماية البيانات من هجمات القراصنة والمُتلاعبين، ممن تتعدد وتتنوع دوافعهم بين السطو المالي أو تنفيذ استراتيجيات تخريبية لصالح دول أو جهات مُعينة، وعادةً ما تتغير أساليبهم بين حينٍ وآخر.
إحصائيات الهجمات الرقمية
وقد أشار “ستيفان بيرنر”، المدير التنفيذي لشركة «هيلب إيه جي» التابعة لـ«إي آند انتربرايز»، إلى أن الشركة قد رصدت خلال عام 2023م ما يُقارب ثلاثون ألف إنذار يتعلق بمخاطر شديدة في دول الخليج.
بينما أحرزت سرقة البيانات الشخصية الحصة الأكبر من التهديدات بمُعدل 49%، يليها الاستغلال المُسيء للعلامات التجارية بنسبة 39%، في حين بلغ مُعدل تسرب المعلومات 10% تقريبًا، ومُحاولات التصيد الإلكتروني نحو 1.5%.
وأضاف أن الهجمات السيبرانية تركت تأثيرًا ملحوظًا على عدة قطاعات، نال قطاع التعليم النصيب الأكبر منها بما يُعادل 36%، يليه قطاع الطيران بنسبة 29%، ثم قطاع الرعاية الصحية بمُعدل 15%. كما طالت هذه التهديدات المؤسسات الحكومية بحوالي 8%، وقطاع الاستثمار بنسبة 7% تقريبًا، والبنوك والخدمات المالية بمُعدل 4%، وذلك بفعل التوسع المُطرد في التحول الرقمي داخل القطاعات المُشار إليها.
وارتفعت وتيرة هجمات حجب الخدمة بمُعدل 42%، إذ رصدت الشركة نحو 213 ألف هجوم من هذا النوع، ومن الجدير بالذكر أن مثل هذه الهجمات قد تركزت على القطاع الحكومي بنسبة 40%، فيما استهدفت 29% منها قطاع الاتصالات، وحوالي 9% قطاع الطيران، بينما نال قطاع النفط والغاز نحو 5% من إجمالي الهجمات.
وقد أفاد “بيرنر” أن وتيرة الاستثمار في مجال الأمن السيبراني تضاعفت خلال عام 2023م، بالتوازي مع جهود التحول الرقمي في المنطقة. كما شهدت شركات وحكومات دول مجلس التعاون نموًا بشكلٍ ملحوظ فيما يتعلق بتوحيد تقنيات الأمن السيبراني بما يُعادل 100%، كما ارتفع مُعدل الإنفاق على خدمات الحماية السيبرانية المُدارة بصورة ملحوظة، نتيجة التحديات المتزايدة وتعقيد التهديدات والمخاطر الرقمية.
مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي
أوضح “إميل أبو صالح”، المدير منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا الإقليمي لدى “بروف بوينت”، إن الإمارات قطعت شوطًا كبيرًا في مسيرة الرقمنة، إلا أن هذا التطور يصاحبه زيادة في مُعدلات الهجمات الإلكترونية التي تركز على التقنيات والشبكات.
لافتًا إلى أن من أبرز وأخطر التحديات الأمنية وأكثرها استمرارية، حتى يومنا هذا هي عمليات الاحتيال عبر البريد الإلكتروني وهجمات التصيّد التي تستهدف الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
بالإضافة إلى أنه أشار إلى أن زيادة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والاعتماد عليها مثل (ChatGPT) يثير العديد من المخاطر، حيث تقوم الشركات في الإمارات بإدخال معلومات وبيانات تتميز بطبيعة حساسة ضمن هذه المنصات بشكل متزايد، مما يُفسح المجال لاحتمالية حدوث اختراقات أمنية.
وتضمن التقرير الأخير الصادر عن «بروف بوينت» فيما يخُص حقيقة تسريب البيانات، ما يُفيد أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُعتبر هو المجال الأسرع توسعًا والذي يحظى باهتمام متزايد من قِبل المؤسسات داخل الدولة.
ولفت “أبو صالح” إلى أن الأساليب التقليدية المُتبعة في تأمين البيانات لم تعد كافية، مما يستدعي تبني نهج حماية جماعي، ووضع أطر وضوابط تنظيمية صارمة، إلى جانب تفعيل آليات استباقية لمُشاركة وتبادل المعلومات بين مُختلف المؤسسات، لمواجهة التحديات المتنامية في مجال التهديدات السيبرانية.
استراتيجيات مواجهة الثغرات الأمنية
صرح “عز الدين حسين”، المدير الإقليمي لهندسة الحلول في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا لدى شركة “سينتينل وان”، أن الأنظمة المُعتمدة على الذكاء الاصطناعي تتيح للمؤسسات القدرة على التنبؤ بالمخاطر والتهديدات، وتعزيز التحكُّم في الثغرات، وتأمين الأصول الرقمية الخاصة بها بغض النظر عن موقعها الجغرافي.
كما ذكر “حسين” أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تتيح للمؤسسات القُدرة على رصد التهديدات مُبكرًا، مما يساعدها على اتخاذ إجراءات أكثر سرعة وفعالية. وأشار إلى أن هذه الابتكارات قد غيّرت -بشكلٍ ملحوظ- مشهد الأمن السيبراني، وأعادت تشكيل آليات اكتشاف الهجمات ووسائل التعامُل معها.
كما أوضح أن الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح من أكثر حلول هذا المجال تطورًا، لما له من قُدرة عالية على تسهيل إدارة الأمن عبر دمج الأدوات وتحليل البيانات الأمنية بصورة مُتكاملة.
وبيّن أن عملية اللجوء إلى استخدام التحليلات المُعززة بالذكاء الاصطناعي وربط مصادر البيانات المُختلفة يمكّن بعض الحلول المُتقدمة من توفير رؤية مُتكاملة لشتى جوانب المؤسسة، مما يُسهم في تعزيز مُستوى الحماية ورفع كفاءة الاستجابة الأمنية بصورة شاملة.
ضوابط ومعايير لتعزيز الأمن السيبراني
أكد “توم لاوندز”، المدير شركة “سايبر أرك” الإقليمي، أن دولة الإمارات تُعد من الدول الرائدة عالميًا في مجال حماية وتأمين البنية التحتية الرقمية، حيث تعتمد سياسات وضوابط مُشددة في مجال الأمن السيبراني.
وأضاف أن هذا التقدم الملحوظ قد ساهم في جعلها من الأهداف البارزة المُستهدفة بالهجمات الإلكترونية، لا سيما تلك التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أنه على المسؤولين في المؤسسات مُداومة الاستثمار في الخدمات السحابية والتحول الرقمي، مع ضرورة الاهتمام بشكل موازي بتأمين الأنظمة فالتوسع في الأعمال والمشروعات وتطويرها دون التفات إلى ضرورة تعزيز أمنها قد يتسبب إلى مخاطر لا يُمكن التغاضي عنها.
آفاقًا واعدة لسد عجز المهارات المُتخصصة
ذكرت “ديبتي غوبال”، مديرة الأبحاث في شركة “جارتنر”، أن التوسع في استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي يمنح فرصًا لفتح آفاقًا واعدة لمُعالجة التحديات المزمنة في مجال الأمن السيبراني، وعلى رأسها مُشكلة نقص الكفاءات والسلوكيات غير الآمنة لدى الأفراد. وأوضحت أنه بقدوم عام 2028م، من المتوقع أن يسهم مثل هذا النوع من الذكاء الاصطناعي في تقليص العجز في توافر مهارات الأمن الرقمي، بحيث يصبح بالإمكان الاستغناء عن الاحتياج إلى تدريب مُتخصص لنحو ما يُقارب نصف الوظائف المطلوبة في هذا القطاع.
كما كانت قد توقعت مؤسسة “جارتنر” أن يبلغ إجمالي مُعدل إنفاق الأفراد والشركات على حلول الأمن السيبراني وإدارة الأزمات والمخاطر بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نحو 3.3 مليار دولار خلال عام 2024م، مُحرزًا نموًا بنسبة قدرها 12.1% مُقارنة بالعام السابق له وهو عام 2023م.
تم التحديث في 28 نوفمبر، 2025 بواسطة بصمة أمان للأمن السيبراني